okhbir

انقسام شعبي حول النقاب في المغرب*

الطاهر الطويل

انقسم الرأي العام المغربي بشأن قرار وزارة الداخلية منع صنع وإنتاج وتسويق اللباس النسائي المعروف بـ»النقاب» أو «البرقع»، حيث أعلن البعض تأييدهم لهذا القرار من منطلق أن اللباس المذكور غريب عن البيئة المغربية، فيما أعرب البعض الآخر عن رفضه لكونه يمس الحرية الشخصية. وتساءل طرف ثالث عن سر توقيت هذا القرار ومدى اقترانه بـ»العرقلة» التي يواجهها رئيس الحكومة المعيّن، عبد الإله بن كيران، في مفاوضاته من أجل تشكيل الحكومة، والتي وصلت إلى الباب المسدود.

وشكلت شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضي حلبة للنقاش المحتدم الذي شاركت فيه أطياف مختلفة، مكونة من إسلاميين ويساريين وحقوقيين وأدباء وغيرهم. وبهذا الخصوص، اعتبر الباحث المختص في شؤون التصوف محمد التهامي الحراق أن منع بيع البرقع الأفغاني هو في عمقه تعبير عن رفض نمط «ثقافي» منغلق وفظ، حرفي ولا تاريخي، في فهم الدين وتنزيله. وأضاف: «أن هذا النمط ينكر بعده الثقافي التاريخي النسبي ليقدم نفسه أنه الفهم المطابق للدين عينه، ملغيا ومستهجنا كل ما عداه».

وأوضح الحراق أن رسالة القرار تتمثل في ضرورة التمييز بين الدين والثقافة، مشيرا إلى أن القرار لم يمنع «النقاب» أو «الحايك» و»الملحفة»، بل منع ما صار يقوم مقامهما من لباس مستورد برمزيته الأيديولوجية وإيحاءاته السيميولوجية على «توجه» باسم الدين مناف للسماحة والانفتاح والتعايش والثراء الثقافي للأفق الذي تحيل عليه تلك الألبسة النسائية المغربية التقليدية التي تطفح بالاحتشام والجمال. إنه درس التمييز بين الدين والثقافة التي تحتضنه، هو الأمر الذي يفسر دفاعنا دوما عن الملمح الحضاري المغربي المتميز في بناء الصوامع وهندسة المساجد وزخرفات المعمار، وفي عادات الطبخ وألوان الموسيقى وغيرها من مظاهر الشخصية الثقافية المغربية الغنية. إنها ملامح البصمة المغربية في الثقافة الإسلامية والكونية، على حد تعبير الحراق.

وفي السياق نفسه، كتب الفقيه الشيخ محمد الفزازي متسائلا: هل الداخلية المغربية منعت الحجاب الذي جاء به القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة وأجمع عليه الأئمة ولم يختلف عليه أحد؟ أم منعت شيئا آخر اسمه البرقع؟ ليجيب قائلا: البرقع ـ في نظري ـ أسلوب مشرقي للتحجب معمول به في أفغانستان وباكستان وفي الجزيرة العربية وغيرها. وهو جزء من ثقافة الشعوب هناك، وأسلوب من أساليب الهوية الدينية لديها. نحن هنا في المغرب وفي شمال إفريقيا عموما لنا أسلوبنا الخاص في تحجب نسائنا. أسلوب يمثل ثقافتنا الاجتماعية وهويتنا الدينية. الحايك؛ الجلباب واللثام. الجلباب مع تغطية الرأس وكشف الوجه. فهل الداخلية تمنع الحجاب جملة وتفصيلا وبأي أسلوب، مشرقيا كان أم مغربيا؟ وحينها سنقول اللهم إن هذا منكر، أم تمنع البرقع الذي يمثل ثقافة شعوب أخرى والذي بدأ يطمس الهوية الدينية المغربية الخالصة؟

وتابع بالقول: «أنا شخصيا ضد استيراد ما يمثل ثقافة الآخرين على حساب ثقافتنا وخصوصيتنا، لأن في التساهل مع كل وارد جارف نوعا من خيانة أصالتنا وتاريخ أمتنا الحضاري. لا فرق عندي بين برقع أفغاني وسروال جينز ممزق بحماقة و»ميني جيب» أو غير ذلك مما يسيء إلى ثقافتنا الخالصة وهويتنا الخاصة، مع التأكيد على تفاوت لا يناقش من حيث الإساءة. بقي أن أشير إلى أن أمر النقاب مختلف في وجوبه بين الأئمة، في وجوبه وليس في استحبابه. لكن، بالله عليكم، متى تعرضت الحكومات للنقاب أو تغطية الوجه تحت أي مسمّى وبأي أسلوب قبل أن يظهر في دنيا الناس من يسير بيننا بالقتل؟”.

في المقابل، أعرب محمد الزهاري (الأمين العام للتحالف الدولي للدفاع عن الحقوق والحريات في المغرب والرئيس السابق للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان) عن معارضته لقرار منع إنتاج وتسويق وبيع النقاب، واعتبره قراراً ارتجالياً يمس بالحياة الخاصة للأفراد، ولا يستند على نص قانوني يتعلق ببيع وتداول مثل هذا اللباس، ومن شأن تنفيذ هذا القرار الارتجالي التعسفي أن يكرس لسلطة الاستبداد والظلم، والمس بحرية العقيدة. وتوجه إلى وزير الداخلية قائلا: «إن كل ممنوع مرغوب فيه، وما هكذا تورد الإبل».

وكتبت حسناء العلمي (عضو حزب العدالة والتنمية) في تدوينتها إن «للمغربية الحرية في لبس ما تشاء ما دامت مقتنعة بذلك ودون ضغط. تلبس الميني جيب. تلبس سروالاً مقطعاً. تلبس حجاب روتانا. تلبس البرقع. تلبس الخمار. تلبس الحجاب بشروطه. تلبس النقاب والجلباب المغربي».

أما الداعية السلفي الحسن الكتاني فتساءل: «هل يتوجه المغرب لمنع النقاب الذي عرفه المسلمون لمدة خمسة عشر قرنا؟ مصيبة هذه إن صح الخبر». وفي السياق نفسه، اعتبر الشيخ عمر الحدوشي أن قرار السلطات المحلية منع بيع وإنتاج النقاب «أمر سيكون له ما بعده، ولعله سيكون بطن الأرض لنا خير من ظهرها»، داعيا المسؤولين إلى إعادة النظر في هذا القرار وإلا فقد يتسبب في فتنة «نسأل الله السلامة والعافية».

واللافت للانتباه أن معارضة منع لباس «البرقع» جاءت حتى من بعض اليساريين، كما هو الشأن بالنسبة للباحث والناشط السياسي حميد باجو الذي كتب ما يلي: «لأن تكون ديمقراطيا مقتنعا بالفعل، فهناك مبادئ ثابتة لا تقبل المساومة أو التنازل عنها، وعلى رأسها حرية التعبير والحريات الفردية الأخرى واحترام تطبيق القانون، حتى ولو كان المستفيد منها في هذه اللحظة هو خصمك السياسي.

بعد ذلك، يمكن لنا أن نواجه ما نشاء من ممارسات لا تعجبنا بالطرق المتاحة قانونيا وثقافيا وإعلاميا وسياسيا… هذا ما أختلف فيه كثيرا مع عدد من أصدقائي الذين يصنفون أنفسهم كديمقراطيين، حين يخلطون بين أهمية انتقاد لباس البرقع ومواجهته في المجتمع بالوسائل المتاحة، وبين تأييد التدخل التعسفي للدولة لمنعه، أو يخلطون ـ كما من قبل ـ بين التشبث ببن كيران، كمكلف وحيد بتشكيل الحكومة، حتى يعلن هو فشله، باعتبار ذلك هو منطوق الدستور، وبين مواجهته سياسيا والنضال ضد بعض قراراته التي قد لا نتفق معها».

وكتب الشاعر والباحث عبد الباسط بوشنتوف أنه «في ظل البلوكاج (العرقلة) الحكومي، يقوم المخزن باستثارة منظومة دينية فكرية ترى في البرقع لباسا شرعيا، أنزله الله من السماء وخصّ به عباده المؤمنين. وهنا تحفيز لهؤلاء بطرح تساؤل حول هذه الهجمة الشرسة على معتقداتهم في ظل حكومة إسلامية. إن سياسة المخزن في استثارة تيار معين بقضايا يراها هذا الأخير جوهرا من فكره واعتقاده. محاولات تافهة لإفشال مشروع مجتمعي. والنبيه من يعود أيام السيد عبد الرحمن اليوسفي ليكشف أن مؤامرات المخزن كانت منصبة لهدم الفكر الاشتراكي الثوري آنذاك، بحملة منظمة بخوصصة البلاد، وإغراقها في النزعة البرغماتية اللاهثة وراء تاريخ المادي الفرداني. وها هو يعيدها مع التجربة الإسلامية مرة بالتطبيع وثانية بالبرقع وثالثة بتمويل داعش. لكن السؤال المهم، هل البرقع هو الزي الإسلامي المنزل من السماء. أليس «حايك» أمي الساكنة بين جبال فجيج حجابا شرعيا؟ أليس لثام خالتي حجابا؟ هل الجنة التي عرضها السماوات والأرض أعدت للمتبرقعات فقط؟ أليس من خصوصية الإسلام أنه منساب كالماء يتأقلم مع محيطه ويحافظ على خصوصية الأعراق باختلاف ألوانهم وتقاليدهم وعاداتهم؟

وبنبرة ساخرة، علّق الشاعر نوفل السعيدي على القرار، حيث قال في تدوينته: «بعدما منعت السلطات المغربية البرقع النسائي الأفغاني «النقاب»، سيحرم عليكم يا معشر الشعراء أن تنشدوا قصيدة (قٌل للمليحة بالخمار الأسود)…».

* نقلا عن القدس العربي مع تصرف في عنوان المقالة.

loading...

1 Comment

  1. KARIM 11 يناير, 2017 at 7:15 م

    puisque le secteur religieux est surtout géré par des ignorants ils ne font pas la différence entre religion et tenue localed’afghanistan ils ont fait comme le faux paresseux qui copie de son camarade en examen ,il a copié même le nom de son camarade

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *