okhbir

لا تُرفع القبعة للفاشلين، سيدتي! – اسماعيل الحلوتي

 

بات واضحا اليوم أن ليس المغاربة وحدهم المشدودين إلى أحداث “المسلسل” السياسي المغربي الأكثر غرابة واستفزاز، بعد أن صارت عدة قنوات عربية وأجنبية تتابع باهتمام بالغ حلقاته المشوقة، الدائرة حول “البلوكاج” الحاصل في تشكيل الحكومة، إذ بدا البطل الرئيسي المدعو بنكيران خائبا في أداء الدور الموكول إليه، بما يلزم من احترافية وقدرات عالية في إدارة حوار مثمر مع باقي الأشخاص، الذين يتقاسمون معه أدوار البطولة، حيث يظهر تارة أشد انفعالا وترددا وأخرى أكثر شرودا وضياعا، مما أدى إلى تبرم وسخط جمهور المتفرجين، وأثار جدلا واسعا في الشارع وعبر مختلف وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي…

وتفاديا للتكرار والاجترار، والدخول في متاهات ما أفرزته الأحداث المتلاحقة من آراء وردود أفعال متباينة، وانتقادات لاذعة لكافة الأطراف المتصارعة، فإننا سنكتفي بما جاء في تدوينة السيدة نزهة الوفي القيادية وعضو الأمانة العامة بحزب العدالة والتنمية، الحائز على المرتبة الأولى في تشريعيات السابع أكتوبر الماضي، المنشورة بصفحتها في “الفايسبوك”، والتي تدعو فيها مناضلي الحزب وأتباعه إلى رفع القبعة للبطل المغوار الذي لا يشق له غبار، الأمين العام ورئيس الحكومة المعين، تقديرا لما أبداه من “مقاومة أسطورية” ودفاع مستميت عن “السمو السياسي” في واقع سياسي مهترئ… زاعمة أنه لم ينهزم واستطاع جر كافة المغاربة إلى نقاش عمومي “دسم”، وأعادهم إلى الاهتمام بالشأن السياسي ومناقشة فصول الدستور على مدى أزيد من ثلاثة شهور، وفي الوقت ذاته نبهت معشر “البيجيديين” ومن يناصرهم إلى ضرورة التكاثف، وعدم الانجرار خلف التحليلات المغرضة… وكأننا في حرب ضروس تستهدف القضاء على حزبها الإسلامي والإطاحة بزعيمه.

أما وقد أوصت بتوخي الحذر من التحليلات السياسية المشبوهة وغير الموضوعية، فلا يمكن إلا أن نشاطرها الرأي، عندما نجد بعض الانتهازيين من المؤلفة قلوبهم والمخللين السياسيين (بالخاء)، ممن داسوا على مبادئهم وقلبوا معاطفهم، لا يكفون عن تلميع صورة البطل لأغراض في نفوسهم، ودعوة أمناء الأحزاب السياسية إلى العودة لصناديق الاقتراع، باعتبارها الحل الأمثل للخروج من المأزق، مدعين أن سير مفاوضات تشكيل الحكومة، لم يسبق له الاتسام بما هو عليه اليوم من وضوح منذ الستينات… أليس من العبث الحديث عن وضوح لا يوجد إلا في مخيلتهم، والتوهم بأن الانتخابات المبكرة، هي الكفيلة بحلحلة الوضع ؟

بالله عليك سيدة “العارفين” وأنت إحدى “ممثلات” الأمة في البرلمان، كيف تدعين إلى رفع القبعة لمن ساهم في تأزيم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أغلق قنوات الحوار الاجتماعي وأغرق البلاد في مستقعات المديونية خلال ولايته السابقة، ثم عاد اليوم إلى تجميد مشاورات تشكيل أغلبية حكومية جديدة مفضلا الاعتكاف ببيته، دون مراعاة عواقب ما أحدثه غروره وعناده من هدر الزمن السياسي وكلفة باهظة على عدة مستويات: تشريعية واقتصادية ومالية واجتماعية، إذ لم يخرجه من “خلوته” لاستئناف المفاوضات عدا تدخل الملك عبر مستشاريه ؟

وكيف ترفع القبعة لمن يعجز عن استشراف آفاق المستقبل، والتفاوض المجدي حول طبيعة الائتلاف الحكومي المراد تشكيله، ويرضى لنفسه بأن يصير مجرد رئيس حكومة منتدب، لدى رئيس حزب يأتي في المرتبة الرابعة ب 37 مقعدا برلمانيا فقط، أمام حزبه الأول والحاصل على  125 مقعدا، لا لشيء سوى للحفاظ على منصب رئاسة الحكومة؟

وكيف تودين سيدتي رفع القبعة لمن سقط في خرق دستوري فادح، إثر السماح لكم في الأمانة العامة  بالتدخل في المشاورات الجارية أثناء اجتماعاتكم وعبر بلاغاتكم، متناسين أنه بمجرد ما تم تكليفه بتشكيل ائتلاف حكومي، أصبح ملزما بالتعامل مع باقي الأحزب على قدم المساواة، لأنه يعتبر رئيس حكومة كافة المغاربة وليس خاصا فقط بأصحاب “المصباح” ومن صوتوا لفائدته؟

وهل يسمح برفع القبعة لمن يقف متفرجا على كتائبه الإلكترونية، التي لا تكف عن كيل الاتهامات للمعارضين والدعوة إلى فصل الرؤوس والإشادة بالإرهاب؟ وأين نحن من السمو السياسي، حين ينعت قيادي بارز بالحزب، رئيس حزب آخر ب”الشناق”؟

وهل ترفع القبعة لمن يفشي أسرار المشاورات ويصف أحزابا بالمعطوبة ويتهم رؤساءها بالابتزاز، ثم يعود للتمسك بمشاركتهم ضمن الائتلاف الحكومي؟ ألا يخشى أن تأتي حكومته ضعيفة ومتنافرة بدون أفق ولا برنامج سياسي، خلافا لما أعلنه الملك في خطاب دكار، الداعي إلى حكومة منسجمة وقوية؟ ألم يكن حريا به، لو كان فعلا يريد الاحتفاظ بحزب الاستقلال شريكا أساسيا رفقة حزب التقدم والاشتراكية، أن يهيئ الظروف المناسبة والسلسة عبر التوافقات بدل المساومات والحسابت الضيقة؟ ثم كيف طاوعته نفسه وهو الذي لا يفتأ يتفاخر بتعاليم ديننا الحنيف، أن يخون العهد الذي قطعه مع الاستقلاليين متعللا بذريعة “القوة القاهرة” والمصلحة العليا للوطن؟

وهل ترفع القبعة لمفتقد ثقافة الحوار المسؤول والجدية في التفاوض، المتسلح بالمناورات السياسية والحربائية عبر خطاب المظلومية ومنطق المؤامرة، الذي أفرغ الالتزام السياسي من مدلوله الحقيقي، ورجح الاختيارات البراغماتية على الاختيارات القيمية والمبدئية والانتخابية، في التنكر للكتلة التاريخية، والعودة إلى محاولة فرض الأغلبية القديمة بشكل تسلطي؟

تساؤلات عدة تبرز أن رئيس الحكومة المعين، لا يستحق البتة أن ترفع له القبعة حتى في حالة إقدامه على الاستقالة، مادام عاجزا عن الارتقاء بنفسه إلى مستوى رجل دولة، رغم قضائه خمسة أعوام في قيادة الحكومة السابقة، لما يعوزه من حكمة وتبصر وانفتاح وثبات على المبادئ…

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *