okhbir

“صوت الحياة”* – سمير عطاالله

 

ودّعنا، مع وداع السنة، صديقة عزيزة هي التي اعطينا اسمها، ابنتنا ماريا. ومثل كل وداع اخير، كان خاصاً وحميمياً من عائلة واصدقاء. لكن وداع ماريا رجا صيداوي، بدا مثل مشهد مضاد لما هو سائد في عالم اليوم: صورة مثيرة للغرباء الذين تحولهم شريعة الحياة إلى قربى. لم أقم مرة بزيارة الرئيس ميشال سليمان إلا وأفاض في الحديث عن قضية اثيرة عنده: بعد عقدين، أو اكثر قليلاً، لن تعود باريس مدينة فرنسية، أو لندن مدينة بريطانية. ثمة عالم مختلط يتشكل من تلقاء نفسه.

اللوحة أمامنا في كنيسة سان بول دو فانس، شفيع الاودية وحقول الخزامى، كانت بالوان الغربة التي تتحول وطناً للأجيال الآتية. ولدت ماريا غراف في فيينا، وتزوجت من الدمشقي رجا صياوي في بيروت، وفيها رزقا الإبنة الأولى، لارا. أما تانيا، الإبنة الثانية، فولدت في لندن، لأن العائلة تركت لبنان العام 1975. درست الابنتان لاحقاً في نيويورك، وتزوجت لارا من كريستيان روجر مور، وتانيا من رجل الاعمال اليوناني تيبو روماندوس.

أدّى كاهن سان بول الصلاة بالفرنسية، وقرئت رسائل ماريا إلى اصدقائها بالانكليزية، ورددت الجوقة المرتلة، اغنية “زنبق النمسا وتلال سالزبورغ، “ايدل فايس”، باللغة الالمانية. ورافقت الصلاة، في خفوت، اغاني “صوت الموسيقى”، لأن ماريا أوصت بأن تكون الدمع الوحيد الذي يذرف عليها. وبناء على الوصية رافقتها الموسيقى إلى أن أودعت مقامها الجديد، المطل على وادي الخزامى.

قبل أيام قليلة، كان انيس العامري قد أعلن رفضه لكل هذا، في بيان كتبه بعجلات شاحنة سرقها وقتل سائقها فوق أجساد مجموعة من البسطاء، جاءوا يفرحون في أحد أسواق الميلاد، جميعهم، كانوا يعتقدون في داخلهم، أنهم في حماية أنغيلا ميركل. فمن يمكن أن يكافىء الأم ميركل، التي احتضنت مليون لاجىء، إلا بالوفاء، وقالب من الحلوى، يُشترى من هذه السوق البسيطة بالذات. لم تُرزق أنغيلا أبناء من زواجها، فقررت أن تتبنى الفازعين إلى ألمانيا.

لم تتوقف طويلاً عند الذين اقدموا في الميلاد الماضي على اغتصاب الالمانيات في برلين وكولونيا. ولا توقفت عند وحوش تويتر الذين دافعوا عن “اللاجئين”. الشعوب المتحضرة لا ترى في التفاهات المريضة مقياساً لمعاملة الشعوب المنكوبة بمثل هذه الظواهر العقيمة العقول، والقلوب الكارهة كل شيء وكل أحد.

لكي تنجو من بحر الحقد، إذا رماك عالمك فيه، لا تحتاج إلى قلب، بل إلى عقل، إلى تفكير، إلى منطق بسيط وبديهيات إنسانية. يميز البشر هذا الفارق الضئيل، البسيط، والشديد العلو. الفارق ما بين محمد البوعزيزي، الذي أحرق نفسه لأنه لم يعد قادراً على اعالة امه، وأنيس العامري، الذي كان يَعِدُ أمه بالخبز، لأنه يتاجر بالمخدرات على ارصفة برلين. تونسيان من بلاد بورقيبة، أول زعيم عربي يفرض، بعد الاستقلال، التعليم والعمل. لا مكان للبطالة ولا للجهل. “بوعزيزي كان يحمل الليسانس، وكان يرفض أن يكون بلا عمل. العامري لم يعمل شيئاً في حياته. اراد أن تأتي الدنيا إليه في لفة حشيش، أو أن يذهب هو إلى الجنة في شاحنة لها ست عجلات، مخضوضبة بدماء أهل المدينة التي احتضنت عشرات الآلاف من رفاقه ومواطنيه.

لم يتكون هذا العالم من أجل أن يكون تحت رحمة الحاقدين. “ولو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة”. لكنه شاء ان تكونوا أعراقاً وألواناً وأمماً ولغات وثقافات وعادات تنصهر في الأرض. اختارت ماريا صيداوي لوداعها حكاية “صوت الموسيقى”: انتصار الاطفال على الفاشية. انتصار الكولونيل النبيل فون تراب على موجة العمى الصارخ الهاجمة على النمسا… وفي أواخر ايامها كانت تزداد اقتناعاً، امام مشاهد الرعب الهاجمة على البشر في كل مكان، بأن الفوز لن يكون إلا للمرهقين والبسطاء.

“صوت الموسيقى” في سالزبورغ، كان حكاية الوقوف ضد الوحش في الناس، ومع الضعف البشري، ومع فتح أبواب اللجوء عندما تُقرع، من دون السؤال عن السبب أو عن الهوية. صحيح أنها قصة واقعية عن بداية الفاشية في النمسا، لكن الرمز أكبر من الواقع، لأنه يتنقل من زمن إلى زمن، ومن مكان إلى مكان. والفاشية التي تمتد في العالم اليوم، في شاحنة مسروقة، أو طائرة مخطوفة، أو “تغريدة” معتلة، هي تكرار لظواهر وطواعين ضربت البشرية مراراً، ودائماً كانت الكوارث التي يحركها عقم البشر، أكثر فظاعة وضحايا وقسوة من هبوب الاعاصير أو جنون الزلازل.

المشهد في كنيسة سان بول دو فانس، غداة شاحنة أنيس العامري في برلين، كان لوحة رمزية لعام يخرج منا وعام ندلف إليه. ولعالم يصارعنا وعالم نصارعه. الأم ميركل والسيد ترامب. واحدة تتحمل أن تشرّع الابواب ولو دخل منها أمثال العامري، وواحد يريد أن يبني جداراً في وجوه الفقراء القادمين من الجوار، وأن يمنع دخول المسلمين، وسيدة تدعوهم إليها جميعاً، من دون هويات يُذبحون بسببها، أو تُسبى نساؤهم، أو يُبعن في السوق بعد التناوب عليهنّ أمام أبنائهن.

يريد دونالد ترامب ان يغلق بلداً قيمته الكبرى في الوجود وفي الأمم، بوابته. عنوانه جزيرة “ايليس” التي يصل إليها المهاجرون من دون “أوراق ثبوتية”، من دون مهنة ومن دون عنوان سابق أو لاحق. هكذا وصل اليها جبران، ووالد أوباما، وأم جون كيري، وجد دونالد ترامب، الاسكوتلندي الذي قيل إنه تاجر باشياء كثيرة. لكن “الإنسان لا يعيَّر حتى بأمه” كانوا يقولون في الضيعة.
لا ينفع القول إن الهمجيات العالقة في حاجة إلى مواجهين من طبيعة ترامب وبرامجه. العالم في حاجة إلى مزيد من الأم تيريزا، والأم ميركل، والأب بيار، والمهندس محمد يونس وسائر أصحاب القيم البشرية. اسمحوا لي ان نضم إلى هذه السلسة، على حجمنا، ميشال اده، الذي لم تُبلّد قلبه السياسة، ولم تحجّره السلطة ، فظل عمله الأول، عمل الخير واسعاف المحتاجين والمتعبين.

قرأت في “الوثائق العربية” (مجلد 1977) مقابلة مطوّلة في جريدة “العمل” مع الرئيس شارل حلو حول “اتفاق القاهرة”. كانت الاسئلة شديدة الوضوح، والاجوبة شديدة الفخامة، كثيرة البلاغة، كثيرة الديبلوماسية، شديدة الزئبقية. وفارغة. لا شيء. دفاع هزيل في تهمة كبرى. وبعدها أصدر الرئيس حلو كتاباً (دار “النهار”) غلفه في طابع سيرة ذاتية، لكي يدافع فيه عن ضعفه وضعف لبنان حيال الاتفاق الذي عرّى البلد من خُلقه وحرمته. وكان الدفاع هزيلاً وجميلاً وخاوياً. وبعد الرئاسة أمضى العمر في ما هو أهم منها: رعاية “مطاعم المحبة” للفقراء الذين لا يملكون ثمن عشاء. وقد تولى ميشال اده دعم هذه المؤسسة مع الرئيس حلو، وبعده.

ويجب ألا تمر هذه المناسبة من غير أن يُحيّي ميشال اده الذين يعرفون. والذين لا يعرفونه. وفي زمن الفساد والفِسق والجشع الرهيب، ثمة اضاءات قليلة، يؤسفني أننا لا نعرفها جميعاً، لكن، بالتأكيد، نموذجها ميشال اده.
العالم ليس في حاجة إلى مزيد ممن يغلقون الابواب. في حاجة إلى ابراهام لينكولن يخوض حرباً أهلية من أجل الإنسان الذي فيه. في حاجة إلى أنغيلا ميركل تعلن أن المانيا للجميع، وليست “فوق الجميع”. ليست فوق أحد. ما من أحد فوق أحد. “الغرباء” الوحيدون في وداع ماريا صيداوي كنَّ معلمات المدرسة التي كانت هي ترعى المعوزات من طلابها الصغار. وهؤلاء بلا هويات وبلا أهل. لكنهم كانوا يرتلون في الكنيسة أشياء من “صوت الموسيقى”، ثم يصعِّدون “آفي ماريا”، معتقدين في مخيلتهم الجميلة والنقية، ان ماريا التي يلقون عليها التحية، هي السيدة التي يودعون.

أنا كنت ازداد معرفة بمريم وأنا اقرأ في “المصري اليوم”، وكالعادة، مقال المفكر السلفي، ناجح ابراهيم حول الميلاد بدأه بالآية: “إذ قالتِ الملائكة يا مريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين”.
هناك عالمان: ناجح ابراهيم والعامري. ميركل وترامب. ميشال اده وذوو النفوس الحقيرة من أغنياء المسيحيين. العقلاء النبلاء. والفالتون يغرفون من مستنقعات هذا العالم.

* نقلا عن النهار اللبنانية

loading...

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *