okhbir

هل الشعب دائما على حق؟ – عبدالسلام الهيموت

 

   (1)

اعتاد الحكام والنخب والأحزاب التقديسَ غير المعلن للشعب، ودأبوا على تملق ومغازلة الشعب وتحاشي أعطابه ومجاراة أمراضِه وعاهاتِه حتى أصبح الشعب الأكثر تقديسا ونزاهة وطهارة ،هذا التغاضي مردُّه لأن الشعب هو وقود الحروب التي يشعلها الحكام لصرف اهتمامهم عن القضايا الداخلية، ولأن الشعب هو الذي يذهب لصناديق الاقتراع، وهو الذي يٌفترض الاحتكامٌ إليه في ضمان أية شرعية سياسية أو انتخابية أو دينية. الجميعُ يتواطأ على تنزيه الشعب وتبجيله واعتباره الأكثر ثورية، وصانعَ التاريخ ،ومنجَم القيم النبيلة والأصيلة، والكل يدعي تمثيل الشعب: قائد الشعب وزعيم الشعب وحبيب الشعب وفنان الشعب وابن الشعب وممثل الشعب رغما على أنف الشعب، الشعب إذن هو الحمار الذي يجب أن يركبه الجميع للوصول إلى هدفه.

  (2)

أليس شعباً ذلك الذي انتخب هتلر النازي وموسوليني الفاشي ؟ أليس القواد والباشوات والشيوخ والمقدمين والعريفات والعملاء شعباً؟ أليس شعباً من يبيع صوته الانتخابي ب200 درهم؟ أليس الذين يخرجون حاملين الهراوات والسلاسل والسيوف في وجه المحتجين سلميا مثلما حصل في مسيرات حركة 20 فبراير شعباً ؟ أليس شعباً تلك الجماهير الرياضية التي تكسِّر وتخرّب كلما وجدتَه في طريقها سواء كان الفريق الذي تدعمه منتصرا أو منهزما؟ أليس شعبا تلك الجموع الغفيرة التي تتمسح وتتبرك وتقبِّل عجلات سيارة ألمانية فارهة يركبها حمزة شيخ الزاوية البودشيشية ويغنّون بشكل هستيري طلع البدر علينا؟ أو ليس شعبا تلك الجحافل التي غسل دماغها العريفي والحويني والعرعوري والقرضاوي والجولاني والبغدادي وبعثوها للانفجار في سوريا وليبيا والعراق؟ أوليس شعبا أولئك الذي يضطهدون المرأة في الفضاء لمجرد أنها لا تدفن جسدها في لباس غير “إسلامي” ؟ أليس الذي يمارسون قضاء الشارع باقتحام البيوت أو الوشاية والوقيعة بدعوى أن المُنتهَكَة حرمات بيوتُهم أكلة رمضان أو يمارسون الزنا ؟ قد نسترسل في استحضار مئات الأمثلة التي يمارسها الشعب حتى نتساءل ماذا تبقى الشعب؟

 (3)

الشعب كتلة هُلامية غير متجانسة ،ربما فعل خيراً الكثيرُ من الماركسيين أنهم راهنوا في عملية التغيير على العمال – مالِكو قوّة العمل والمنتجون للثروة- ولم يراهنوا على الشعب المفتقِر للوحدة الفكرية على أرضية وحدته ضمن علاقات الإنتاج، وربما إن أكبر أعداء الشعب ليس فقط الذين يستغلونه ،والذين فصلوه عن وسائل الإنتاج، والذين أغرقوه في الجهل والاستيلاب والخرافة بل وكذلك الذين يتلافون انتقاد أعطابِه وأمراضه وتقاليده البالية والمتكلسة، الذين يبرئون ساحة الشعب من كل نقد أو تشريح مخافة من تحويل أصواتهم لجهة أخرى ،أو استقطابهم من طرف الجهة التي تجيد تملقهم ومسايرة عاداتهم حتى ولو كانت هذه العادات أو التقاليد مُضرّة بهم وبالمجتمع كله.

    (4)

غالبا ما ينسب دُعاة طهارة الشعبِ ونضاليّتِه وشرعيتِه أمراضَه وعاهاتِه للنظام السياسي واعتبارها مجرد اندساس وطابور واختراق وينسى هؤلاء الدعاة أن القول بأن النظام القائم هو من ألصق كلَّ هذه الأمراض بالشعب يسقطون في نظرية قصور الشعب وعدم نضجه وعدم أهليته ، القصور وعدم النضج هي الذريعة التي يستعملها كذلك الحكام في مصادرة الديمقراطية وحق تقرير مصيره بنفسه واختيار منطق جرعة جرعة بدعوى أن الشعب قاصرو غير ناضج ليتمتع بالديمقراطية في كليتها أو دفعة واحدة، تناقض دعاة طهارة الشعب وشرعيته دائما ما يلوحون بأن الشعب ناضج ومستعد ليقرر مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون حاجة للأبوية أو التدرج الديمقراطي.

 (5)

الإقرار بأن الأمراض التي تنهش الشعب هي مسلَّطة عليه من طرف النظام تقود حتما إلى أنه شعب قاصر وغير ناضج ،أي مجرد مفعول به وبالتالي غير مؤهل لإرساء مشروع التغيير ،أما الإقرار بأن هذه الأمراض هي لصيقة بالشعب وأن الشعب يتعايش ويتواطأ ويتساكن مع هذه الأمراض ويُنتجها ويتحمل مسؤوليتها يسائل الأحزاب والنخب ويحتِّم عليهم ألا يكونوا رحماء مع هذا الشعب كذلك وضرورة انتقاد كل أمراضه دون خوف من هروب هذا الشعب في المواسم السياسية والانتخابية.

  (6)

هذا التواطؤ المُغرض الذي تمارسه الأحزاب والنخب يقودنا إلى جدلية مَن صَنع مَن؟ هل الطاغية هو الذي صنع الشعب؟ أم الشعبُ هو الذي صنع الطاغية؟ هل فرعون الذي صنع الشعب أم الشعب الذي صنع فرعون؟ يرى “غوستاف لوبون” في كتابه “سيكولوجية الجماهير”: “إنها -أي الجماهير- تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلًا من أشكال الضعف وما كانت عواطفُها متجهة أبدًا نحو الزعماء الرحماء والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس، وهي لا تقيم تلك النُّصب التذكارية العالية إلا لهم، وإذا كانت تدعس بأقدامها الديكتاتورَ المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوّته ودخل بالتالي في خانة الضعفاء المحتقَرين وغير المهابين”، أي أن الجماهير التي استبطنت الاستبداد وألِفته لا تحني رأسها إلا للأقوياء ذوي السطوة والقوة وتحتقر الضعفاء الذين يتوسلون المطالب مما يفسر البطش الذي تعرضت كل الشعوب العربية التى خرجت تصدح بشعارات الكرامة والحرية من طرف فئات شعبية بئيسة ذات وعي زائف، فئات انزعجت عميقا من أن تُخرجها تلك المطالب والشعارات من قوقعة الاستبداد والإذعان والبؤس الذي ألفت العيش فيه، هذه الجموع التي تشكل ما يمكن تسميته بالثورة المضادة ليست كلها خرجت بإيعاز من الأنظمة الاستبدادية ،بل هناك ما يعرف بالعبودية الطوعية لدى فئات تخاف الحرية ولا تستطيع العيش بدون سيد تعتقد أنه يحميها، ولها استعداد هائل لتوريث العبودية لأبنائها وبناتها وذريتها ،هذه الفئة لا تعوزها كما يقول المفكر الفرنسي “إيتيان دي لابويسي” في كتابه “مقالة العبودية الطوعية” الأعذار لإدامة الاستبداد والعيش في كنفه.

  (7)

القول بالاستعداد للاستعباد الطوعي ،والقول بأن قصةَ كل استعمار سبقتها قصةُ شعب قابِلٍ للاستعمار كما يقول “مالك بن نبي”، وأن مبعث الاستبداد هو غفلة الأمّة كما قال “عبدالرحمن الكواكبي”، والقول أن العديد من المُحرِّرين قُتلوا على يد الذين أرادوا تحريرهم ،وأن الناس على دين ملوكهم كما يقول “ابن خلدون”، كل هذا لا يعني أن الاستبداد والطغيان قضاء وقَدَر، ولا يعني أن الشعوب استسلمت لسطوة حكامها وتوقفت عن بطولاتها وتضحياتها الجسام من أجل مجتمع أكثر إنسانية وأكثر عدالة، تبقى هذه الفئة قليلةً من الشعب أو ليست كل الثورات الإنسانية والدينية كانت ورائها فئة قليلة من الشعب؟

 هذا يعني أن عامة الشعب هي كذلك منخرطة في منظومة الفساد والرشوة والكيد والتزوير وكافة أمراض المجتمع ،يعني كذلك أن هؤلاء المفكرين والمثقفين الذين انتقدوا شعوبهم الغارق في الاستعباد والتأليه وطقوس الشعوذة والخرافة ،كانوا يمجدون الحرية ،وفي المقابل ينتقدون شعوبَهم للسمو بها لقيم الكرامة والمساواة والحرية ،الحرية -التي اعتبرها الذين أَعملوا مِشرط التشريح في أمراض شعوبهم- هي الحياة بل أسمى من الحياة نفسها.

قصة الشعوب هل هي دائما على حق قد تُلخِّصها هذه الحكاية لِ”نابليون بونابرت” قائلا في إحدى مجالس الدولة الفرنسي: “لم أستطع إنهاء حرب الفاندي إلا بعد أن تظاهرتُ بأني كاثوليكي حقيقي، ولم أستطع الاستقرار في مصر إلا بعد أن تظاهرتُ بأني مسلم تقي، وعندما تظاهرتُ بأني بَابَوي متطرف استطعت أن أكسب ثقة الكهنة في إيطاليا، ولو أنه أتيح لي أن أحكم شعبًا من اليهود لأعدت من جديد بناء معبد سليمان”.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *