okhbir

قراءة في نظام حكم “الملكية الدستورية الديموقراطية البرلمانية الاجتماعية” المغربي – جلال مجاهدي*

 

   حينما نبحث عن التكييفات الدستورية لأنظمة حكم الدول، فإننا نبحث في علاقة السلط فيما بينها لنضفي عليها تكييفا دستوريا ما، كالقول بأن نظام دولة ما هو نظام برلماني أو رئاسي أو نظام ملكية برلمانية أو دستورية وهكذا.

وحين نبحث عن وصف نظام حكم ما، فإننا نبحث في العلاقة بين السُّلط وفي الممارسة الدستورية لها، لنصفه بالديموقراطية أو التوليتارية وما إلى ذلك. العلاقة بين السُّلط وممارستها تختلف من بلد لآخر، لكن المفاهيم الدستورية تبقى مفاهيم معيارية، إلاّ أن الحالة الدستورية المغربية تبقى حالة خاصة واستثناء من الإجماع، ذلك أن المفردات الدستورية التي تكيف نظام الحكم أو بتعبير أدق تكيف نظام الملكية لا تقبل التفسيرات المعيارية المتوافق عليها ولا يمكن معرفة دلالاتها في سياق المتعارف عليه، وإلا كنا أمام اصطلاحات يضرب بعضها بعضا، وهو ما سيفرغ الدستور من أي محتوى بإعطائه للملكية معنى مغايرا لما قصده واضعو الدستور.

حسب الدستور المغربي وكما هو منصوص عليه في المادة الأولى منه، فإن نظام الحكم في المغرب هو نظام ملكية دستورية ديموقراطية برلمانية واجتماعية، هذه التركيبة الخماسية التي يكيف بها الدستور نظام الحكم، هي في بعدها الاصطلاحي الدستوري المعياري لا تعني شيئا، طالما أنها توحي بوجود تناقضات مفاهيمية اصطلاحية لا يتأتى التوفيق بينها وطالما أن هذه المفاهيم هي نفسها تناقض المقصود من استعمالها.

لمعرفة ما تعنيه هذه المفردات في السياق الدستوري المغربي، يتحتم على أي باحث استبعاد المفاهيم الدستورية المعيارية والبحث عن تأويل لهذه المفردات في سياقها الدستوري المغربي، وذلك بإظهار عمقها وإبراز ما تختزنه وما تخفيه من معاني وفق منهجية تحليلية قانونية استنباطية تعتمد على ربط فصول الدستور بعضها ببعض، وتأخذ بعين الاعتبار الممارسة الدستورية وتستحضر أبعاد بعض المصطلحات الدلالية والرمزية كإمارة المؤمنين والأمة وبعض الأمور الواقعية كأسبقية الملكية للدستور من الناحية الزمانية وظروف وملابسات التعديلات الدستورية وما إلى ذلك من اعتبارات.

أول كلمة في المتلازمة الخماسية التي تكيف نظام الحكم بالمغرب هي الملكية هذه هي أهم كلمة فيها والتي تبنى عليها باقي المفردات التي تكيف نظام الحكم والتي أشرنا إلى خروجها عن الاطار الاصطلاحي المعياري، محورية المفردة في البناء التركيبي للجملة تجعل من البحث فيها وفي خصوصياتها وعمقها أمرا أساسيا.

إذن كما سبق الذكر، فنظام الحكم بالمغرب هو نظام حكم ملكي، وبما أن مفهوم الحكم يشمل السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن الملك، دستوريا، هو من يملك سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء، وبالتالي فإن الدستور المغربي يجعل من مؤسسة الملك مؤسسة مركزية في هندسة توزيع السلط، وبما أن هذه السلط تتركز في يد الملك الذي يملكها , فإن باقي المؤسسات الدستورية لا ينظر إليها إلا كمجرد أجهزة ممارسة لها بتفويض منه. هذا التفسير تؤكد صحة ما ذهب إليه باقي الفصول الدستورية حيث يتدخل الملك فيما هو تشريعي وتنفيذي وقضائي فتصدر القوانين بظهائر ملكية ويعين رئيس الحكومة من طرف الملك ولا يُعين باقي أعضائها إلا بموافقة منه كما يعين القضاة من طرفه ويترأس المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتصدر الأحكام باسمه…

هذا التفويض لممارسة السلطات وإن كان يغلب عليه الطابع النظري في أغلب الحالات لكون السلطة ممارسة ولكون التفويض هو تفويض لصلاحيات، فإن جانبه الاعتباري والقيمي يلقي بثقله على الممارسة الدستورية حيث تتخذ جميع القرارات والتوجهات منحى واحدا يسير في اتجاه الحفاظ على الملكية وخدمتها وتكريس فوقيتها وسموها فوق باقي المؤسسات. هذا الشق الاعتباري ينضاف إليه جزء من واقع الممارسة الدستورية أيضا، حيث يقوم الملك بواسطة مستشاريه بصفته المالك والمفوض للسلطات بتوجيه سير وعمل باقي المؤسسات الدستورية والإشراف عليها.

وبخصوص المصطلح الثاني في ترتيب التركيبة الخماسية الواردة آنفا الذي هو الدستورية فإنه وكما سبق الذكر فهو من الاصطلاحات الدستورية التي لا تقبل التفسير الدستوري المعياري، فلا صلة لها بالمفهوم الدستوري للملكية الدستورية حيث الملك يسود ولا يحكم، ومن هنا يتعين فهمها من خلال القالب الدستوري المغربي لإعطائها مفهوما مغايرا طالما أن فهمها معياريا يؤدي إلى تعطيل المعنى المقصود منها. هذا المعنى الدستوري المغاير يتمثل في كون السلطات الثلاث المتمركزة في يد الملك تفوض ممارستها، وفق القنوات التي يرسمها الدستور. إن مسار هذه القنوات الدستورية يشير إلى أن توزيع السُّلط بالمغرب هو توزيع امتدادي لممارستها بحيث تمتد خيوط السلطات المفوض ممارستها من الملك إلى المفوض إليهم أشخاصا ومؤسسات، وحين يتحدث الدستور المغربي عن فصل السلط فهو يتحدث عن فصل ممارستها فيما بينها لا عن فصلها عن مؤسسة الملك المالكة والمفوضة لها، وبالتالي فإن باقي الاجهزة الدستورية لا تنزع من المؤسسة الملكية سلطاتها بل تشكل امتدادا لها.

أما معنى الكلمة الثالثة في الجملة الخُماسية التي هي الديموقراطية فهي أيضا لا يؤخذ تفسيرها الاصطلاحي على الوجه المتعارف عليه معياريا، فلا يُنظر إليها على أساس أن الشعب هو الذي يملك السيادة ويمارسها، بل إن السيادة تعود للملك، أما الشعب فهو لا يعبر عنه إلا بالأمة تكريسا لمؤسسة إمارة المؤمنين ولشرعية الحكم المبني على رابطة البيعة الدينية، وبالتالي فإن ممارسة الشعب للديموقراطية لا يشمل نظام الحكم الذي تربطه به رابطة البيعة، بل فقط اختيار الأجهزة النيابية التي تنبثق عنها الحكومات واختيار جزء من المسؤولين المحليين في الانتخابات المحلية. وبخصوص معنى الكلمة الرابعة التي هي “البرلمانية” والتي تمت إضافتها في الدستور الأخير لسنة 2011 تماهيا مع مطالب الشارع وبعض الأحزاب اليسارية، فإن وصف الملكية بالبرلمانية لا يحيل على المصطلح بمفهومه الدستوري، والذي يعني أن الحكومة هي من تضطلع بأعباء الحكم بوصفها المحور الرئيس للسلطة التنفيذية تحت مراقبة البرلمان، في حين أن رئيس الدولة بغض النظر سواء أكان ملكاً أم رئيس جمهورية، غير مسؤول سياسياً ويسود ولا يحكم ويختص بأمور شكلية وفخرية وبسلطات إسمية فقط كما هو الحال في بريطانيا، بل إن المقصود من مصطلح الملكية البرلمانية بالمغرب هو وجود نظام حكم ملكي فعلي بنزعة برلمانية حيث استلهم واضعو الدستور بعض القواعد الدستورية من الانظمة البرلمانية مثل مسؤولية الحكومة أمام البرلمان وإمكانية حل البرلمان من طرف رئيس الحكومة وإمكانية سحب الثقة من الحكومة من طرف البرلمان ووصفوا ذلك بتوازن السلط وتعاونها كما تنص على ذلك العبارة التي نجدها في المادة الاولى نفسها، إلا أن ذلك لا تأثير له على نظام الحكم بالمغرب لا سلبا ولا إيجابا، فبيت القصيد والحكمة والمغزى الذي من أجله وُجد النظام البرلماني الذي منشأه المملكة المتحدة هو جعل البرلمان وسيلة رقابة فعالة للحد من استفراد الحكومة بالسلطة واحتكارها بعدما تمت مصادرتها من المؤسسة الملكية البريطانية.. هذا الغرض غير متحقق بالنسبة لنظام الحكم بالمغرب طالما أن السلط لا زالت متركزة في يد الملك وطالما أن الحكومة ليست لها الصلاحيات الموسعة كنظيرتها في الأنظمة البرلمانية حتى يُخشى استئثارها بالسلطة.

أما بخصوص المصطلح الخامس والأخير الذي يصف الملكية بالاجتماعية، فاستعماله كتكييف لنظام الحكم يحيل على معنى مفاده أن الملكية بالمغرب ليست ملكية تسلطية بل ملكية تجعل نصب عينها خدمة المجتمع، وبذلك فالمصطلح يرتب التزاما دستوريا من جانب الملكية بتوفير وضمان الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم وبمساعدة الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمعوزة وبتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق التوزيع العادل للثروات والموارد وضمان المساواة في الحقوق والواجبات لمختلف شرائح المجتمع.. هذه الالتزامات الاجتماعية الدستورية الملقاة على الملكية رغم المجهودات المبذولة، لا زالت تعرف تعثرات خاصة أمام توجهات الدولة حاليا المطبوعة بتوصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ذات التوجهات الرأسمالية المحضة التي تغلب مفهوم النمو على التنمية.

من خلال ما سبق ذكره، يتضح أن مفهوم الملكية في الدستور المغربي لم يقطع بعد مع المرحلة السلطانية التي سبقته والتي كانت تقوم كما عليه الحال الآن، على مفاهيم إمارة المؤمنين ومفهوم الأمة ورابطة البيعة والسيادة السلطانية والتفويض السلطوي والإشراف السلطاني، الشيء الذي تكون معه علاقة نظام الحكم المغربي بالنماذج الغربية لأنظمة الحكم المبنية على فصل السلط والسيادة الشعبية هي علاقة إسمية فقط، وهو ما يفسر أن مصطلحات الديموقراطية والدستورية والبرلمانية التي يسقطها الدستور على نظام الحكم تتخذ معاني أخرى مغايرة، ومنه فلا يسعنا إلا تكييف نظام الحكم بالمغرب حسب الاصطلاح الدستوري المعياري بالملكية السلطانية المنظمة بدستور.

* قاضي سابق

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *