okhbir

الانتخابات المخزنية الإخوانية بالمغرب وطرق استطلاع الرأي العام العِلمية    – عبد السلام شاوش

 

 

أولا: لماذا منع استطلاع الرأي العام بالمغرب؟

بصدد الإعداد للاقتراع العام النيابي المزمع إجراؤه في السابع من أكتوبر 2016 ببلادنا المغرب صدرت بشأنه عدة قوانين الإطار أو تنظيمية تكميلية أو مراسيم ومقررات حكومية أو وزيرية. من ضمن ما تم الإعلان عنه إعلاميا على الأقل هو امتناع الجهة الوزيرية عن القبول باللجوء إلى إجراءات استطلاع الرأي العام المنظم علميا أو خارج الضوابط الاستباقية التي تحمل نتائج الاقتراع المباشر الذي قد يعبر عن إرادة الناخب الجماعي ليوم سابع أكتوبر. لعل مبررات امتناع القبول أو منع إجراء طلب الباحث عن الاطلاع عن توجه عام لعينة من الناخبين المحتملين منها (التخوفات):

1) تقديم سلطة المنع للاستطلاع على أنها حريصة على ضمان استقلال صوت الناخب خارج أي تأثير أو توجيه.

2) المنع موجه إلى مؤسسات أو مكاتب تحاليل أو وسائل إعلام وتواصل باحثه عن سبقية الحصول على المعلومة المحتملة أو المفترضة.

3) المنع يلاحق أساليب ومناهج قد تكون مندرجة ضمن الحقل العلمي والعقلاني بعيدا عن الإشاعات والخرافات والقدرية.

4) في المقابل قد يكون المنع رغبة من سلطته في الاستفراد في التحكم في العملية برمتها بالتأطير والتوجيه وصنع الأغلبية النيابية المرغوب فيها للظرفية السياسية الداخلية مغربيا ودوليا إلا أن حدث بغير ما لا يحتسب كما وقع بآخر اقتراع نيابي 2012.

يُذكر أن حساب الاحتمال لنتائج اقتراع كل دائرة نيابية على حدى يفترضها مسبقا سكانها وفق العادة والتقاليد سواء سكان الدائرة الممتنعون عن التصويت أو المشاركون فيه لصالح هذه اللائحة أو غيرها إلا من هم الملحقون بكل لائحة وفق التعبئة الداخلية لإعلان نصر تحفيزي دون النتيجة.

يذكر كذلك أن السلك الدبلوماسي الأجنبي ببلادنا ولاسيما الفرنسي والإسباني والواشنطوني والذين يتتبعون الحياة السياسية الشخصية والعامة والعمومية بدقة استخباراتية ثقيلة إن بادراك الاحتمال المؤكد لنتائج الاقتراع أو بطرق استغلال مفاهيم التعاون بين الدولتين أو الدفع بضرورة احترام المغرب للاتفاقات الثنائية أو الجماعية بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي (لماذا تم تأجيل البث في الاتفاق الفلاحي والصيد البحري لحد الآن استئنافيا)؟

ثانيا: المواطن بين الحس السياسي والوعي المتأخر

كل ناخبة وكل ناخب، والحكم هنا ليس بالمطلق وإنما بالجمع، يعيان أو يحسان بتأثير هرمية متحكمة في الإرادة الناخبة عبر شبكة مركبة من المؤثرات وفاعليها ومنها:

التأثير الأدبي اللبق:

– “الشرفا” يريدون هذا الحزب أو هذا المترشح. – مالنا وهذا الحزب أو هذا المترشح. – ماذا يمثل هذا الحزب أو هذا المترشح. – ماذا سيستفيد مع هذا الحزب أو هذا المترشح وهي عمليات إقصائية مسبقة.

التأثير المادي والسياسي:

– هنا تدخل المعادلات المعقدة للمؤسسات. – كما تتداخل التدحرجات التصارعية فيما بين الأحزاب المتنافسة ثم تنازعات المترشحين الذين غالبا ما يكونون من نفس الفئة الاجتماعية أو القبلية أو الأسرية.

هكذا عمم الفكر المقروء لما قبل اليوناني سلطة جماعة ضد الطبيعة لضمان استمرار الحياة متمحورة حول مبدأ الشخص القوي: “ما أجده فهو لي ومن معي وعلى غيرنا فليبحث في مسراه”. مع فكر وفلسفة اليلينيين وبداية استقرار الجمع البشري ومن خلال حروبهم مع الفريسيين انتقلت سلطة القوة من الشخص القوي إلى قوة الجمع المحبذ بقيادة أقوى الجند الذي كان يتولى توزيع المناصب الطبقية الثلاث بالنسبة للإغريق بينما احتفظ المشرق على قائد حاكم وغيره مجرد عبيد. وهي المفارقة الأولى بين حضارة الحكم لاحقا بالغرب وبالشرق وقد تأسس ذلك منذ ما يزيد على مئات السنين على بداية التاريخ. لما اعتمد حكم المغرب التعددية الحزبية، كان قد راجع في ذلك من جهة:

• تعدد المذاهب الفقهية الإسلامية.

• ثم تعدد الديانات التي داخلت المغرب وما فرضه عليه إعلان إلغاء الحماية 1955.

• ثم تعدد مراكز القوى العالمية إثر نتائج الحرب العالمية الثانية.

• كما كان التعدد السياسي الفرنسي المحين ما بين 1958 و1962. فلم يكن للمغرب خيار إلا الأخذ بهذه المواصفات الدولية السائدة آنذاك، مع اعتبار العداء الذي كان يكنه الرئيس ترومان للشيوعية ثم الأسس العنيفة التي كان روزفلت قد أرساها للليبرالية الجديدة.

من جهة ثانية: فإن مؤسس المجتمع السياسي المغربي عاين التعدد الإثني والثقافي والطبقي والثنائية المشرقية والمؤربنة (نسبة لأوربا) وكذا ثنائية الوطنية التحررية والعمالة الاستعمارية، فقال بما قال لكل حزبه فليتصارع المتصارعون والحكام هم الأعلون، بنسيان تصريح مدغشقر وسان كلود ومالية 1912 الحمائية، ولعل بنو امحمد شاهدي على ذلك، بالحي المسمى باسمهم بمكناس الغرناطية. خلاصة أولية تتيح لنا القول أنه من الصعب التوقف في إنجاز استطلاع رأي عام موفق بأقرب نتيجة مفترضة في أية عملية تقتحم عمق وصدق إرادة الناخب المغربي فرادى أو جماعات.

ثالثا: في محاولة تأسيس علمي للإستطلاع

بغض النظر عما ذُكر أو باعتماده كليا أو جزئيا يتعين احترام حق المبادرة المعنوية لبلوغ المعلومة واحترام حق تواصل الإعلامي والباحث مع المواطن في ظل وقار الوجاهة والنزاهة والنباهة. مادام موضوع المقالة هو استطلاع الرأي العام بين واجب إطلاع الرأي العام على نوايا الناخبين وبين استنطاق إعلامي لنوايا أولائك الناخبين فإنه يتعين الوقوف على قضايا جوهرية بمرجعية علمية دقيقة وأخرى شخصانية مقيدة بالمكونات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والانتماء الحزبي والثقافي والجمعوي أو بدون كل ذلك.

في خضم هذه المعطيات هل ينجح استطلاع رأي عام بالمغرب بالطرق والأساليب والأسس العلمية لبلوغ نتائج المقاربة الموضوعية الأقرب للحقيقة ؟ لقد كان الفيلسوف الألماني سييغفرييد أول من اهتم بقواعد فهم الإرادة الناخبة في أنظمة الديمقراطية الحديثة الغربية مما جعله يعتبر مؤسس علم الاجتماع الانتخابي La Sociologie Electorale.

من خلال إبراز أنواع نمط الاقتراع العام بين الفردي واللائحي (قبل تطويره إلى دورة واحدة أو دورتين) ثم الاقتراع النسبي بأكبر البقايا أو أكبر المعدلات، ثم نمط الاقتراع المختلط بين الفردي واللائحي. صحيح أن “سييغفرييد” لم يعالج بدقة معادلة استطلاع الرأي العام، غير أنه في محتوى كتاباته كان يشير إلى وسائل صنع التوجه العام للإرادة الناخبة من خلال تقسيم الدوائر وهي بالنسبة إليه عينات كبرى مفترضة باعتماد ضوابط الإثنية والثقافية والتوجه السياسي أو الإيديولوجي.

لقد كان أهم من استفاد من تحاليله هو الحزب الشيوعي الإيطالي لما أصدر توجيهه لمناضليه عند منتصف القرن الماضي مفاده بضرورة ملازمة أعضاء الحزب بالجنوب الإيطالي والاستقرار بكل منزل أو إقامة يفرغ من طرف عناصر المافيا المغادرة لأمريكا والإقامة مقامهم. ورغم مؤامرة عملية اغتيال “ألدومورو” التي معها تغيرت المعادلة للتمركز بالمدن الصناعية مما جعل قادة الحزب الشيوعي الإيطالي إثر الضربات المتعددة التي كان ضحيتها يلتقي مع الحزب الشيوعي الاسباني وصاحب نظرياته سانتيا كاريليو حول فكرة الأوروشيوعية « EURO COMMUNSME » التي سرعان ما التحق بها الحزب الشيوعي الفرنسي خلال الفترة الانتقالية ما بين كاتبه العام فالديك روشي وجورج مارشي.

في خضم هذه المعطيات الأخرى، مرة أخرى، تم تطوير قواعد استطلاع الرأي العام بأوربا، غير أن المعالجة العلمية له انطلقت حقيقة في أمريكا واشنطن بفاعلية صحافيين جريئين واستفزازيين لمساسهم بقضايا ذات حساسية في التجارة والحرب والحكم والحدود، استطلعوا بشأنها أراء سكان ولايات ومدن وقرى وغيرها.

بغض النظر عن موضوع أو قضية أو مسألة إشكالية يتم إجراء استطلاع رأي الإنسان بشأنها فالأمر لا يتعلق بتجارب مختبرية كالتي تتم مع وعلى الفئران وغيرها. وإنما هي عملية تحاورية مباشرة أو بواسطة استمارات قد تتضمن أفخاخا بأسئلة متناقضة أو اعتماد جوانب نفسية للمستجوب وأخرى اجتماعية أو فكرية.

ثم إن الاستجواب الاستطلاعي ليس استنطاقا بوليسيا بل هدفه معرفي ليس بالفضولية العتيقة وإنما هو محاولة للتأكد من حقائق قد تخدم إيجابا مصالح الشعب والأمة وفق خلفيات مجرى الاستطلاع العلني والمشروع وقد تكون خلفياته الإضرار بالمواطنين والوطن وفق خلفية المبادر به كخصم أو عدو جسوس أو استعماري.

رابعا: أساليب أو طرق استطلاع الرأي العام

سادت في فترات قواعد افتراضية تحتمل المواقف منها:

• قاعدة “الموقع يحدد الموقف”.

• ثم قاعدة “الموقف يهيء الموقع”.

• ثم قاعدة “التفاعل بين الموقع والموقف”.

وهي قواعد لا تأخذ بعين الاعتبار حرية الشخص في ذلك ولا مختلف المؤثرات صانعة القرار.

يكاد يتحقق إجماع المهتمين حاليا باستطلاع الرأي العام السياسي على الخصوص، مع علمنة وعقلنة مناهجه على ثمانية غالبا ما تكون تعاقبية في الزمان متفاوتة في الكم المستطلع رأيه، مختلفة في الأسلوب.

أسلوب القشة في استطلاع الرأي العام:

يعتمد الأسلوب التوالي المباشر الشفوي أو عبر استمارات لعينات غير مختارة للناخبات أو الناخبين بمكان محدد أو بمواقع مختلفة لكن خلال زمن محدد بدقة لاعتماد عدم تواصل عناصر العينة فيما بينهم، ويتم إجراءه قبل موعد الحسم، فيتم الاستنتاج من تلك العينة لاحتمال النتائج.

أسلوب القياس:

يعتمد فيه مرجع نتائج سابقة لاستطلاع سابق أو نتائج محققة سابقا في اقتراع لدائرة محددة أو دائرة وطنية. فيقاس الاستطلاع الجديد على النتائج السابقة لافتراض النتائج المحتملة.

الاستطلاع الدوري:

نوعه يكمن في نظامية مؤسسة مختصة في استطلاع الرأي العام لتتبع التغيرات التي تطرأ على رأي الناخب تبعا لأحداث أو وقائع ذات ارتباط بأفعال أو تصريحات مترشح مثلا أو تحولات تطرأ على عناصر دائرة ناخبة يكون محور هذا الأسلوب هو المقارنة التعاقبية.

الاستطلاع التجريبي:

وهو أسلوب مفتوح في الزمان كأن يعتمد طيلة الحملة الانتخابية مثلا كأن يطلب من ناخب الجواب على أسئلة علاقة المترشح بقضية أو موضوع يهم الناخب المستطلع رأيه في علاقة مع عدد من المترشحين.

الاستطلاع التشاوري:

يقتضي عقد جلسة بين الطرف المستطلع للرأي العام وبين عينة من المستطلع رأيهم فتطرح أسئلة قبل الجلسة للتحاور ثم بعد ذلك تطرح أسئلة في ختام الجلسة. وبالتالي يتم استنتاج الافتراضات المحتملة.

الاستطلاع الموجه:

وهو لا علمي ولا أخلاقي يهدف إلى تمجيد هذا الشخص أو تشويه ذاك.

استطلاع قُبيل التصويت:

وهو غير منتج ومجرد إعلام عند مدخل المؤسسة مقر الاقتراع.

استطلاع ما بعد التصويت:

غير منتج وهو دعائي بالأساس فإذا كانت هذه الأساليب الثمانية المعلنة إعلاميا وربما أكاديميا فإن السيبرنيقا وتحليل الأنظمة قد يتم تطوير وتعداد أساليب ومناهج استطلاع الرأي العام عن بعد.

ومن المعلوم أن التلاعبات التكنولوجية تتلاعب بدورها بالإرادة البشرية العامة المنتجة والخدماتية والتداولية، كما أن من تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أن تكون السيولة النقدية عامل الفساد والإفساد السياسي والأخلاقي والسلوكي والمعاملاتي لقتل الإرادات الفردية والجماعية والعامة المحلية والوطنية.

وحيث إنه لئن كان من الضروري إجراء تحقيقات أو تقصي حقائق أو استطلاع رأي عام أو آراء عامة، فيجب بالمغرب الاعتماد على قضايا مركزية، جوهرية فاعلة استراتيجيا من قبيل: هل يمكن لحكومة ومجلس نواب أكتوبر 2016 قادرين على هيكلة وتأطير وتنظيم حوار وطني شامل لبلورة: وثيقة دستورية: – تعيد الاعتبار للسيادة الشعبية.

– تسند الأولوية والسمو والاحترام للعدالة في استقلال وحصانة للحكم القضائي الأسمى على الأشخاص وباقي المؤسسات في ظل سيادة القانون.

– تسند للدولة الدور الاجتماعي الشرعي والقانوني والمشروعي. هل يمكن الحكومة وبرلمان 2015 و2016 أن يترجما مفهوم “السيادة للأمة” وكيف يتم اختزالها أو تصريفها. بما يقتضي المعالجة الدستورية والسياسية لمراحل دولة المغرب من الولاية بمحاور التحكم والزوايا والقبيلة والتجارة.

– الشرف النسبي القرشي المشرقي.

– العقد والتعاقد القرشي والإرث الاستعماري.

– العهد السلطاني إلى القسم الملكي الرعية والمواطنة وتقاسم الثروة ووحدة الوطن.

– وكيف تتعامل البنية العامة الجماهيرية مع هذه الحقائق؟ لقد هيمنت على المغاربة إيديولوجية الإستكانة والاستضعاف والتملق والاستعطاف وفقد الثقة من شخص لشخص خارج المؤسسات والقانون والعزة بالنفس والكرامة الوطنية والوعي بالانتماء للأمة في اتجاه تذويب الذات والأسرة والوعي بالوحدة الوطنية البشرية والترابية والتاريخية ماضيا ومستقبلا.

ثم برزت أخيرا توجهات تهدف قتل الوسطية النضالية السياسية والاجتماعية بين الشعب المحكوم والطبقة الحاكمة من خلال إذلال الأحزاب يمينها ويسارها بنفس أسلوب تحقير الحكومة للنقابات والجمعيات ذات الجدية النضالية. فأصبح الوضع على ما هو عليه أن الطبقة الحاكمة لها تواصل مباشر مخزني هرمي مع رعاياها دون رهبانية سياسية أو نقابية أو حقوقية أو ثقافية، ففتحت الآفاق على تعدد الاحتمالات الملهاتية والمأساوية على حد سواء، فما الحاجة إذن لاستطلاعات الرأي في غياب كل منطق؟

loading...

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *