okhbir
madiba

نيلسون مانديلا: هكذا يأتي العظماء.. هكذا يذهب العظماء!

 عبد الحق آيت اسماعيل

هل فعلا فقدنا منديلا؟ أبدا  في نظري سيبقى حيا إلى الأبد، لقد ضمن الخلود منذ أن رفض المساومة على مبادئه، وضمن حياة أبدية منذ أن خرج من السجن

عبد الحق آيت اسماعيل

عبد الحق آيت اسماعيل

بعد عشرة آلاف يوم في المعتقل، وكان عمره واحداً وسبعين عاماً، وقاد دولته الجديدة في طريق لم يسبق أن سارت فيه من قبل تم تنازل عن السلطة من أجل الديمقراطية، ورفض الثأر من جلاديه و لم يفكر في مقايضة نضاله بالامتيازات، ولم يوظف أقاربه في مناصب الدولة الوليدة.

لماذا إذن هذا التباكي على “مانديلا” وما واكبه من بيانات نعي وإشادة بحق الرجل، فلن تفلحوا  في تضليل معذبي الأرض الذين اكتووا بنار الاستعمار والعنصرية، ولن تجعلوهم ينسون أو يتناسون للحظة واحدة حقيقة أسلافكم هؤلاء الذين دعموا بكل قوة نظام الفصل العنصري البائد في جنوب إفريقيا، ومدّوه بمختلف أصناف الدعم المادي والعسكري. بكلمات أخرى، إن هؤلاء المنافقين لم يكونوا لا مع الرجل حين كان يعاني ظلمة السجن والسّجان ولا مع شعبه وهو يتعرض لأبشع اضطهاد عنصري عرفه التاريخ وصورهم مع الرجل ليست إلا للدعاية.

لا تتوهموا كذالك أن جميع الإفريقيين في جنوب إفريقية سعوا إلى الاستقلال، ولا تتوهموا أن كل الرجال يحبون الحرية ويسعون إليها، فليس كل السود قاتلوا من أجل الحرية والاستقلال، ولا كلهم سُجن ثلث قرن كما حدث لمانديلا، فليس كل الناس يسعون للحرية ولا كلهم يحبها، بل نال السود حقوقهم على الرغم من كراهية عدد لا يستهان به من السود، فمنهم أعداد هائلة كانت تقاتل في صفوف المستعمِرين “البيض” وترى في مانديلا شراً يريد أن يحرمهم من الخير الذي جاء به السادة البيض، فقد جاؤوا لهم بالدخان والموسيقى والثياب الحمراء المزركشة، جاءوا لهم بالذل والخنوع، والراحة من التفكير والمبادرة، أراحوهم من مسؤولية القرار، ومن ثقل الاختيار، وتلك نِعَم يهنأ بها العبيد في كل مكان.

العبودية ليست لونا أو جنسا، إنها حالة نفسية، والأحرار من طراز “مانديلا”  يهون عليهم أن يموتوا أو يُسجنوا ثلث قرن، ولا تهون عليهم كرامتهم وحريتهم. لقد كانت طائفة من السود تقدس البيض وتعبدهم وتطيعهم بلا حدود.

قال ذات مرة في المحكمة” إذا خرجت من السجن في نفس الظروف التي اعتقلت فيها فإنني سأقوم بنفس الممارسات التي سُجنت من أجلها” لِيُعلم من في الخارج الإصرار والعزيمة و قال “إن آخرين قبلي دفعوا ثمن معتقداتهم وآخرين كثر سيدفعونه بعدي” ليرسخ في أذهان الأجيال التي عاصرته عدالة القضية، أما تفاؤل الرجل فلا حدود له، فحين رفض عرضا للخروج من السجن بشروط يختم رفضه بقوله “لم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام، أعلم أنه سيجئ اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي؛ إنني أصلاً إنسان متفائل”  أما تواضعه  فيخجل  الجميع حين يقول عن زوجته “لقد تزوجتْ رجلاً سرعان ما تركها وصار ذلك الرجل أسطورة، وعند عودة الأسطورة إلى المنـزل ظهر أنه مجرد رجل”..

  للتعرف أكثر عن مانديلا و سر خلوده أنصح بقراءة كتابه  “مسيرة طويلة نحو الحرية”  لاستلهام روح المناضل التي نحتاجها في بلادنا، لا تدعوهم يخدعونكم بخطابات المواساة و الحداد و ترسيخ فكرة موت مانديلا في أذهانكم، فهو حي بمبادئه و حضوره يكفي، وعلى سبيل التذكير فإن الولايات المتحدة لم تشطب على اسمه من قائمة الإرهاب إلا في سنة 2008.

“نيلسون مانديلا”  كان قوة عظمى تفوقت على قوى الدول والحكومات بالإرادة، وتحمل المشاق والأمل في المستقبل بصورة أثبتت جدواها، برغم كل الظروف التي كانت تهدد بإطفاء شعلة الأمل والحرية في ظلام نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا.

هكذا يأتي العظماء وهكذا يذهب العظماء.. ولكن آثارهم تبقى ولا تندثر، وهو ما نحن فيه اليوم عند الحديث عن نيلسون مانديلا.

ألم أقل لكم إنه حي خالد وأننا لم نفقده ولكننا وجدناه. وبنفس المنطق فإننا بوفاته لم نخسره ولكننا كسبناه.

أضف تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة *