برقيات
الرئيسية » الواجهة » نساء مُحترمات.. مُحترمات جدا
نساء مُحترمات.. مُحترمات جدا

نساء مُحترمات.. مُحترمات جدا

أحمد لابعيز

(أخبركم) ينهض صنف من النساء باكرا، وبأياد خشنات من أجل القيام بكافة الاشغال الفلاحية، التي يلزمها تزويد الأسر بالمدن، بكل أصناف الخضراوات والألبان والفواكه والاعشاب الصحية التي تنتهي في بطوننا.

نساء يقمن بكل الاعمال التي تستغرقها سلسلة من المراحل التي تعبرها المنتوجات الفلاحية قبل ان تستقر على الموائد الشعبية وغير الشعبية، طلبا للجودة والجديد والطراوة.

ففضلا عن إعطائهن لتلك المنتوجات فوائض قيمة اضافية، بغرسها وفلحها والعناية بها، ثم جنيها وتنظيفها ونقلها ثم الاشراف على عرضها للبيع بشوارع مدينة سلا وازقتها، وبجنبات الطرق العامة فان القرويات من قبائل السهول وعامر واولاد اسبيطة وزردال ودو سليم والحنشان وغيرها، يحرصن على فضح بعض الشباب الكسول الذي يلجأ “للمارشي” من اجل شراء تلك السلع وعرضها على المتسوقين، وكانها سلع طرية منتجة للتو من حقول القرى وبساتينها.

القرويات يحرصن دوما على الظهور بمظهر صاحبات الكلمة التي لا تسقط، أو المخلصات في عملهن وفي الوفاء للزبناء والزبونات وهم ينشدون حليبا طريا او لبنا خالصا غير مخلوط بماء، أو خضراوات وفواكه طازجة حسب المواسم.

ومن أجل الوفاء بالتزاماتهن فإنهن يباشرن أعمال الفلاحة والجني والنقل والبيع، على أرصفة شوارع الاحياء الشعبية، بكل من القرية وسيدي موسى وحي الرحمة والانبعاث وحي السلام، وغيرها من الاحياء التي تطاردهن بها قوات المخازنية والسلطة، وتفرض عليهن فتوة الاحياء اتاوات يومية لقاء تأمين تجارتهن من أي اعتداء، من طرف أصحاب المنازل المتاخمة، أو الشباب الطامع في سلبهن منتجاتهن لإعادة بيعها من أجل إشباع إدمانهم.

هؤلاء الشباب لا يعرف إلا هذا السبيل الوقح والحاط بالكرامة البشرية. القرويات ذكيات جدا رغم أمية أغلبهن، وهن مثابرات ومكافحات، من أجل لقمة عيش حلال. تراهن على جنبات الطرقات يعرضن بضاعاتهن حسب المواسم. كما أنهن يؤثرن جدا في جشع بعض بائعي الخضر والفواكه، ممن يمتهنون التجارة القارة أو بالتجوال، لأن قرويات السهول وعامر ينتجن تلك الخضر والفواكه ويلتقطن بأنفسهن الاعشاب، من مختلف الانواع، خصوصا تلك المرتبطة بفصل البرد ك”مريويت” و”مردودوش” و”ترهلة” و”فليو” و”الزعتر” و”زعيترة” وحتى الصبار.

هذه المجهودات الاضافية تلغي دور الوسيط التجاري، وبالتالي فإن الأسعار التي يعرضنها لمختلف السلع تبقى منخفضة بالمقارنة مع التجار الآخرين. وحدها كلفة النقل هي العبء الذي لم تفكر فيه مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لإزالته من على عاتق القرويات، تماما كما فعلت مع بائعات الخبز والبغرير والملوي بسويقة الرباط/باب البويبة قرب مسجد مولاي سليمان، وقبالة الولي سيدي مسيمير او بسلا الجديدة بمحااة دار الضريبة.

ولو تدخلت الجمعيات لتنبيه العمالة لكلفة النقل اليومي بالنسبة لقرويات السهول وعامر، وطالبت بإيجاد وسائل نقل جماعية، لكان دور تلك النساء أهم وأيسر وتم عرض السلع والمنتوجات بثمن منخفض أكثر.

فالقرويات التاجرات والفلاحات في نفس الوقت، استطعن إقناع حتى سكان الأحياء الراقية بالرباط، ليبحثوا عنهن كل أسبوع أو يوميا، من أجل التزود بمنتوجات طرية من كل صنف. كما أن أولئك القرويات استطعن نسج علاقات استفادت منها أسر كثيرة بالبوادي، كما أفادت مي فاطنة حينما سردت عدة حالات من تشغيل بنات السهول وعامر بالمعامل والشركات أو خادمات بيوت أو صانعات ملوي وحرشة بأحياء الرياض واكدال وحسان.. بالرباط. كما تم إيجاد فرص عمل لبعض الشباب القروي كحراس بفيلات أو شركات أو استطاعوا السفر لبلاد المهجر بعقود عمل في بلدان الخليج والبلدان الغربية.

قدرة الفلاحات على نسج العلاقات الاجتماعية كبيرة، وتحرصن على فتح المجال للنساء المدينيات من أجل مشاركتهن همومهن الأسرية والعنف اليومي الممارس عليهن من طرف الازواج، والمشاكل التي ترتبط بحياة القفيرات من النساء بالمدينة.

وبذلك أصبحت هؤلاء النسوة المكافحات بمثابة علب أسرار للنساء، ووسيطات اجتماعيات على الأقل، يملكن القدرة على الإنصات لفتيات متزوجات صغيرات السن، وقليلات التجربة، كما يملكن القدرة على وضع الحلول على الأقل، بوصايا نابعة من تجاربهن مع الرجال بالعالم القروي، ويوصين بالصبر والتحمل.

مَنْ يربط علاقات بهن لمدة طويلة يستطيع استنتاج القدرة الكبيرة  لأولئك النسوة القرويات على رفد العلاقات الاجتماعية الناشئة بالمستملحات والنكت المستخلصة من بيئتهن الثقافية، وتحمل رسائل رمزية واجتماعية ذات دلالات عميقة ومنتجة. فتتساءل أحيانا من أين لهن كل تلك الطاقة لقهر تعب الحياة والخصاص بالضحك على “الزمن”. ومع ذلك لا يحظين حتى بشرف موضع بسيط في جملة أو بلاغ أو بيان النساء الجمعويات، الطامحات لمناصب “وقورة ومحترمة” تدر المكانة الاجتماعية والثروة، أليس الأحق بكل الاحترام هن ألئك النسوة اللواتي يلامسن التراب يوميا، ولا تحتاج لمرهم أو دهان أو بودرة لتأمين نعومة الأيادي..

هن نساء فعلا محترمات ومحترمات جدا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى